فخر الدين الرازي
674
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
العاقل عليها لغير اللّه تعالى ، وعلى هذا القول معنى المساجد مواضع السجود من الجسد واحدها مسجد بفتح الجيم وخامسها : قال عطاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : يريد بالمساجد مكة بجميع ما فيها من المساجد ، وذلك لأن مكة قبلة الدنيا وكل أحد يسجد إليها ، قال الواحدي : وواحد المساجد على الأقوال كلها مسجد بفتح الجيم إلا على قول من يقول : إنها المواضع التي بنيت للصلاة فإن واحدها بكسر الجيم لأن المواضع والمصادر كلها من هذا الباب بفتح العين إلا في أحرف معدودة وهي : المسجد والمطلع والمنسك والمسكن والمنبت والمفرق والمسقط والمجزر والمحشر والمشرق والمغرب ، وقد جاء في بعضها الفتح وهو المنسك والمسكن والمفرق والمطلع ، وهو جائز في كلها وإن لم يسمع . المسألة الثالثة : قال الحسن : من السنة إذا دخل الرجل المسجد أن يقول لا إله إلا اللّه لأن قوله : فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً في ضمنه أمر بذكر اللّه وبدعائه . النوع الرابع : من جملة الموحى قوله تعالى : [ سورة الجن ( 72 ) : آية 19 ] وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 ) اعلم أن عبد اللّه هو النبي صلى اللّه عليه وسلم في قول الجميع ، ثم قال الواحدي : إن هذا من كلام الجن لا من جملة الموحى ، لأن الرسول لا يليق أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد ، كما في قوله : يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا [ مريم : 85 ] والأكثرون على أنه من جملة الموحى ، إذ لو كان من كلام الجن لكان ما ليس من كلام الجن . وفي خلل ما هو كلام الجن مختلا بعيدا عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح الهمزة في أن ، ومن جعله من كلام الجن كسرها ، ونحن نفسر الآية على القولين ، أما على قول من قال : إنه من جملة الموحى فالضمير في قوله : كادُوا إلى من يعود ؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها : إلى الجن ، ومعنى قامَ . . . يَدْعُوهُ أي قام يعبده يريد قيامه لصلاة الفجر حين أتاه الجن ، فاستمعوا القراءة كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ، أي يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته ، واقتداء أصحابه به قائما وراكعا ، وساجدا وإعجابا بما تلا من القرآن ، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله ، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله والثاني : لما قدم رسول اللّه يعبد اللّه وحده مخالفا للمشركين في عبادتهم الأوثان ، كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه والثالث : وهو قول قتادة : لما قام عبد اللّه تلبدت / الإنس والجن ، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به ويطفئوا نور اللّه ، فأبى اللّه إلا أن ينصره ويظهره على من عاداه ، وأما على قول من قال : إنه من كلام الجن ، فالوجهان أيضا عائدان فيه ، وقوله : لِبَداً فهو جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض وارتكم بعضه على بعض ، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقا شديدا فقد لبدته ، ومنه اشتقاق هذه اللبود التي تفرش ويقال : لبدة الأسد لما يتلبد من الشعر بين كتفيه ، ومنه قول زهير : [ لدى أسد شاكي السلاح مقذف ] * له لبد أظفاره لم تقلم وقرئ : لبدا بضم اللام واللبدة في معنى اللبدة ، وقرئ لبدا جمع لا بد كسجّد في ساجد . وقرئ أيضا : لبدا بضم اللام والباء جمع لبود كصبر جمع صبور ، فإن قيل : لم سمي محمدا بعبد اللّه ، وما ذكره برسول اللّه أو نبي اللّه ؟ قلنا : لأنه إن كان هذا الكلام من جملة الموحى ، فاللائق بتواضع الرسول أن يذكر نفسه